السيد نعمة الله الجزائري

16

الأنوار النعمانية

وفي هذا الحديث انّ أهل الجنة ثلاثة المحسن والمحب له والكاف عنه ، أي من يكف عنه الأذى والحد والبغض ، هذا مجمل الكلام في الحسد . واما النميمة فهي نقل قول الغير إلى المقول فيه كما تقول فلان تكلم فيك بكذا وكذا سواء كان نقل ذلك بالقول أم بالكتابة أم بالإشارة والرمز ، وذلك انّ النقل كثيرا ما يكون متعلّقه نقصانا أو عيبا في المحكي عنه موجبا لكراهته وإعراضه عنه فيكون راجعا إلى الغيبة أيضا ، فقد جمع بين معصية الغيبة والنّميمة ، وهي من المعاصي العظيمة لأنّها توجب العداوة بين الأحباب وتهدم حصول الألفة بين الأقارب والأنساب ومن ثم قال سبحانه هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ، وقال عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ، قال بعض العلماء دلّت هذه الآية على انّ من لم يكتم الحديث ومشى بالنّميمة ولد زنا لأنّ الزنيم هو الدعي ، وقال تعالى في امرأة نوح ولوط فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ، وكانت امرأة لوط تخبر بالضّيفان ، وامرأة نوح تخبر بأنّه مجنون ، وعنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ان اللّه تعالى لما خلق الجنة قال لها تكلمي ، قالت سعد من دخلني ، قال الجبّار جل جلاله وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس ، لا يسكن فيك مدمن خمر ، ولا مصر على الزنا ، ولا قتّات وهو النّمام ، ولا ديّوث ولا شرطيّ ، ولا مخنّث ، ولا قاطع رحم ، ولا الذي يقول على عهد ان لم افعل كذا وكذا ثم لم يف به . وروي أن موسى عليه السّلام استسقى لبني إسرائيل حين أصابهم قحط ، فأوحى اللّه تعالى انّي لا استجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمّام قد أصرّ على النميمة ، قال موسى عليه السّلام من هو يا رب حتى نخرجه من بيننا ؟ فقال يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نمّاما فتابوا بأجمعهم فسقوا ، وروي أن رجلا أتّبع حكيما سبعمأة فرسخ في سبع كلمات فلمّا قدم عليه قال انّي جئتك للذّي أتاك من العلم ، أخبرني من السماء وما أثقل منها ، وعن الأرض وما أوسع منها ، وعن الحجارة وما أقسى منها ، وعن النار وما أحرّ منها ، وعن الزمهرير وما أبرد عنه ، وعن البحر وما أغنى منه ، وعن اليتيم وما أذلّ منه ، فقال البهتان على البرى اثقل من السماوات ، والحق أوسع من الأرضين ، والقلب القانع أغنى من البحر ، والحرص والحسد أحرّ من النار ، والحاجة إلى القريب إذا لم ينجح أبرد من الزّمهرير ، وقلب الكافر أقسى من الحجر ، والنّمام إذا بأم أمره أذلّ من اليتيم . وفي بعض الكتب ان رجلا أراد ان يشتري عبدا فقال له صاحبه انّه لا عيب فيه سوى النميمة ، فقال لا علي من نميمته ، فاشتراه فبقي عنده ، فأتى يوما لامرأة مولاه فقال مولاي لا يحبك فان قدرت ان تأخذي شعرة من لحيته حتى أقرأ عليها شيئا من الأسماء والتعويذات فإنه يعود إلى محبتك ، فرضيت وقالت إذا نام أقطع من لحيته شعرة بالموسى فأتى إلى مولاه وقال يا مولاي